الثلاثاء ١١ / أغسطس / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ميوز جليمر من ميتا يفتح بابًا جديدًا للصحافة.. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان أن يغير غرف الأخبار؟

ميوز جليمر من ميتا يفتح بابًا جديدًا للصحافة.. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان أن يغير غرف الأخبار؟

في الوقت الذي تحتدم فيه المنافسة العالمية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، اختارت شركة «ميتا» الدفع باتجاه مختلف نسبيًا، يقوم على إتاحة نماذج يمكن للمطورين تحميلها وتعديلها وتكييفها وفق احتياجاتهم، في خطوة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من شركات التكنولوجيا لتصل إلى قطاعات مثل الإعلام والصحافة والتعليم والبرمجيات.

إطلاق «ميوز جليمر» يضع الذكاء الاصطناعي المحلي في قلب المنافسة.. وزوكربيرج يدعو إلى تخفيف القيود على النماذج مفتوحة الأوزان

وأطلقت «ميتا» نموذجها الجديد «ميوز جليمر»، الذي يتميز بحجمه الأصغر مقارنة بالنماذج الرائدة لدى المنافسين، وصُمم للتعامل مع مهام متقدمة تتضمن التخطيط بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ الأوامر المباشرة. ووفق التوجه الذي أعلنت عنه الشركة، يمكن تشغيل النموذج على جهاز «ماك» أو كمبيوتر شخصي مزود ببطاقة رسومات واحدة، بما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو تشغيل الذكاء الاصطناعي مباشرة على أجهزة المستخدمين بدل الاعتماد الكامل على مراكز البيانات السحابية.

ويتزامن إطلاق النموذج مع موقف أكثر وضوحًا من الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرج، الذي دعا إلى تخفيف القيود الأميركية المفروضة على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان، معتبرًا أن توسيع هذا المجال يمكن أن يساعد الولايات المتحدة على الحفاظ على قدرتها التنافسية في مواجهة التطور السريع لصناعة الذكاء الاصطناعي في الصين.

وبالنسبة إلى قطاع الصحافة، لا تكمن أهمية هذه الخطوة فقط في المنافسة بين «ميتا» و«أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» وغيرها، وإنما في سؤال أكثر ارتباطًا بالمستقبل المهني للصحفيين: ماذا يحدث عندما يصبح بإمكان المؤسسة الإعلامية تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي خاص بها، وتخصيصه وفق أرشيفها واحتياجات غرفة أخبارها؟

من أداة لكتابة الأخبار إلى مساعد داخل غرفة الأخبار

دخل الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى غرف الأخبار في العديد من المؤسسات حول العالم، لكن الاستخدام الأكثر انتشارًا حتى الآن يتركز في المهام التي يمكن وصفها بأنها «مساعدة تحريرية».

كتابة مسودة أولية، تلخيص تقرير، اقتراح عنوان، تصحيح لغوي، ترجمة مادة أو استخراج النقاط الأساسية من بيان طويل.

لكن النماذج مفتوحة الأوزان قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة فبدلًا من أن يتعامل الصحفي مع الذكاء الاصطناعي كخدمة خارجية يستخدمها عند الحاجة، يمكن للمؤسسة الإعلامية أن تبني نظامًا داخليًا يعتمد على نموذج مفتوح، وتربطه بقاعدة بيانات الأخبار والأرشيف ونظام إدارة المحتوى ومصادر البيانات عندها يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مساعد دائم داخل غرفة الأخبار.

مساعد يستطيع قراءة تدفق كبير من المعلومات، تصنيفها، ربط الأحداث المتشابهة، اكتشاف التكرار، استخراج الأسماء والتواريخ والأرقام، ثم تقديمها للصحفي في صورة أكثر تنظيمًا.

وهذا التحول أكثر أهمية من قدرة النموذج على كتابة مقال في ثوانٍ.

الصحافة الاستقصائية.. الاستخدام الأكثر إثارة

تحتاج الصحافة الاستقصائية إلى وقت طويل في قراءة الوثائق وتحليل البيانات ومقارنة المعلومات.

وقد يكون أمام الصحفي مئات أو آلاف الملفات التي تتضمن عقودًا، تقارير، بيانات مالية، مراسلات، سجلات شركات أو وثائق حكومية.

في النموذج التقليدي، يبدأ الصحفي بفتح الملفات واحدًا تلو الآخر، والبحث عن الأسماء والأرقام والتواريخ، ثم إنشاء جداول للمقارنة.

أما في غرفة أخبار تعتمد على نموذج ذكاء اصطناعي محلي، فيمكن أن تصبح العملية مختلفة تمامًا.

يمكن للنظام مثلًا أن يستخرج جميع أسماء الشركات من مجموعة كبيرة من الوثائق، ويربطها بالعقود، ثم يرتب القيم المالية والتواريخ والجهات الحكومية ذات الصلة.

بعد ذلك يمكن للصحفي أن يطرح أسئلة أكثر تعقيدًا:

  • هل تظهر شركة معينة في أكثر من عقد؟
  • هل ارتفعت قيمة العقود خلال فترة زمنية محددة؟
  • ما الجهات التي تعاملت معها الشركة؟
  • هل توجد أسماء أو كيانات مشتركة بين عدة ملفات؟

لكن النتيجة هنا ليست «تحقيقًا صحفيًا جاهزًا» إنها نقطة بداية فالصحفي هو الذي يعود إلى الوثيقة الأصلية، ويتحقق من البيانات، ويتواصل مع الأطراف، ويبحث عن التفسير والسياق، ثم يقرر ما إذا كانت المعلومة تستحق النشر.

لماذا يهم تشغيل النموذج محليًا؟

من أهم العوامل التي تجعل هذا التطور مهمًا للصحافة إمكانية تشغيل النماذج على أجهزة أو خوادم المؤسسة نفسها وهذا يعني أن بعض المهام يمكن تنفيذها دون إرسال جميع الملفات إلى خدمة ذكاء اصطناعي خارجية.

بالنسبة لغرفة الأخبار، قد تكون هذه الميزة مهمة عند التعامل مع وثائق لم تُنشر بعد، أو مواد مرتبطة بتحقيق استقصائي، أو بيانات حصل عليها الصحفي من مصادر تتطلب قدرًا عاليًا من السرية.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين «النموذج المفتوح الأوزان» و«الخصوصية المضمونة».

الأمان يعتمد على البيئة التي يعمل فيها النموذج، وإعدادات الخادم، وصلاحيات المستخدمين، ونظام الشبكات والتخزين والنسخ الاحتياطي لكن امتلاك المؤسسة لبيئة التشغيل يمنحها قدرة أكبر على التحكم في مكان وجود البيانات ومن يستطيع الوصول إليها.

أرشيف الصحيفة.. ذاكرة يمكن إعادة اكتشافها

من أكبر الأصول التي تمتلكها المؤسسات الصحفية القديمة أرشيفها.

قد تحتوي صحيفة واحدة على عشرات أو مئات الآلاف من الأخبار المنشورة على مدار سنوات طويلة.

في الماضي كان الوصول إلى هذا الأرشيف يعتمد بصورة أساسية على محرك البحث الداخلي والكلمات المفتاحية لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحول الأرشيف إلى ذاكرة معرفية تفاعلية.

يمكن للصحفي أن يسأل النظام:

ما أبرز التصريحات التي صدرت حول هذا المشروع خلال السنوات الخمس الماضية؟

أو:

ما الوعود التي أعلنتها هذه الجهة ولم تظهر بشأنها أخبار متابعة؟

أو:

هل سبق أن نشرت الصحيفة معلومات مشابهة لهذه القصة؟

هذه الإمكانات تفتح الباب أمام نوع مختلف من الصحافة القائمة على المتابعة والمقارنة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع كل حدث باعتباره خبرًا منفصلًا وقد يجد الصحفي في أرشيف مؤسسته قصة جديدة لم تكن ظاهرة في السابق، فقط لأن الذكاء الاصطناعي استطاع الربط بين معلومات منشورة في سنوات مختلفة.

الذكاء الاصطناعي وصحافة البيانات

يمكن أن تكون صحافة البيانات من أكبر المستفيدين من هذه التقنية.

فالمؤسسات الإعلامية تتعامل بصورة متزايدة مع ملفات Excel وCSV وقواعد بيانات حكومية وتقارير إحصائية لكن وجود البيانات لا يعني بالضرورة القدرة على اكتشاف القصة الموجودة بداخلها هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كطبقة تحليل أولية.

يمكن أن يطلب الصحفي:

  1. اكتشف القيم غير الطبيعية في هذه البيانات.
  2. قارن النتائج بين المحافظات.
  3. ما أكبر التغيرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة؟
  4. ما الأرقام التي تحتاج إلى تحقق إضافي؟

هذه الوظائف يمكن أن تختصر ساعات طويلة من العمل الأولي لكنها تضع على الصحفي مسؤولية جديدة: **التحقق من التحليل نفسه فالذكاء الاصطناعي قد يسيء تفسير عمود في جدول، أو يخلط بين مؤشرين، أو يستنتج علاقة غير موجودة ولهذا لا يمكن التعامل مع مخرجاته باعتبارها حقيقة نهائية.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف الأخبار الكاذبة؟

هنا أيضًا تظهر فرصة مهمة، ولكنها تحتاج إلى حذر يمكن بناء نظام يجمع عدة روايات حول حدث واحد، ويقارن بينها، ويحدد الادعاءات المتناقضة، ثم يبحث عن مصادر أولية يمكن الرجوع إليها لكن النموذج نفسه لا ينبغي أن يكون «قاضي الحقيقة».

الصحافة المهنية تحتاج إلى العودة إلى المصدر الأصلي .. إذا ظهرت صورة، يجب البحث عن أصلها وسياقها .. إذا ظهر رقم، يجب الرجوع إلى الجهة التي نشرته .. إذا ظهر تصريح، يجب الوصول إلى التسجيل أو الوثيقة الأصلية متى كان ذلك ممكنًا وبذلك يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مسرعًا لعملية التحقق وليس بديلًا عنها.

غرفة أخبار تعمل على مدار الساعة

يمكن تصور غرفة أخبار مستقبلية لا يبدأ عملها من لحظة وصول الخبر إلى المحرر، بل قبل ذلك.

يعمل النظام باستمرار على متابعة:

المواقع الرسمية، والبيانات الحكومية، ووكالات الأنباء، ومصادر البيانات المفتوحة، وRSS، والمواقع المتخصصة، وغيرها من المصادر التي تسمح المؤسسة باستخدامها ثم يقوم النظام بتجميع المواد وتصنيفها وعندما يظهر حدث جديد، يمكنه تنبيه المحرر:

  • هذا خبر جديد.
  • هناك ثلاثة مصادر تحدثت عنه.
  • هذا الموضوع مرتبط بخبر نشرته الصحيفة قبل عام.
  • هناك تصريح سابق يبدو مختلفًا عن التصريح الحالي.
  • هذه البيانات تحتاج إلى مراجعة.

وبدلًا من أن يبدأ الصحفي يومه بالبحث في بحر من المعلومات، يبدأ عمله بقائمة من الأسئلة والفرص الصحفية التي اكتشفها النظام.

وهنا تصبح التكنولوجيا أداة لزيادة القدرة التحريرية، لا لاستبدالها.

ماذا سيحدث للصحفي؟

من المرجح أن يتغير شكل الوظيفة أكثر مما تختفي فالصحفي الذي يقضي ساعات في نسخ المعلومات من ملفات مختلفة أو البحث عن اسم في مئات الوثائق سيجد أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تنفيذ جزء كبير من هذه المهمة لكن الصحفي الذي يستطيع إجراء مقابلة جيدة، وبناء شبكة مصادر، وفهم السياق السياسي والاقتصادي، وتحليل الوثائق، والتحقق من المعلومات، وطرح الأسئلة التي لا تظهر على سطح البيانات، سيظل عنصرًا أساسيًا في العملية.

بل ربما يصبح أكثر أهمية.

لأن وفرة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ستخلق حاجة أكبر إلى شخص يستطيع **تمييز المعلومة المهمة من الضوضاء**.

الصحافة المحلية قد تكون المستفيد الأكبر

لا يقتصر الأمر على المؤسسات الإعلامية الكبرى فالصحف والمواقع المحلية قد تكون من أكثر الجهات استفادة من النماذج الصغيرة مفتوحة الأوزان ويمكن لمؤسسة إعلامية محدودة الموارد أن تبني مساعدًا صحفيًا يعمل على خادم متوسط التكلفة، ويتخصص في نطاق جغرافي أو قطاع محدد.

كما يمكن مثلًا بناء نموذج يساعد على متابعة أخبار محافظة بعينها، أو قطاع اقتصادي محدد، أو مجال معين من الخدمات الحكومية ومع تخصيص النموذج وربطه بمصادر المؤسسة وأرشيفها، يمكن أن يحصل الصحفي على أداة تناسب طبيعة عمله أكثر من نموذج عام مصمم للجمهور العالمي.

هل تصبح كل صحيفة مالكة لنموذجها؟

ربما لا يكون هذا السيناريو بعيدًا كما أصبحت لكل مؤسسة صحفية اليوم قاعدة بيانات ونظام إدارة محتوى وموقع إلكتروني خاص بها، قد يصبح لديها مستقبلًا طبقة ذكاء اصطناعي خاصة بها.

لن يكون بالضرورة نموذجًا ضخمًا ينافس أكبر نماذج العالم قد يكون نموذجًا أصغر، لكنه يعرف أرشيف المؤسسة، ويفهم نظامها التحريري، ويتصل بقواعد بياناتها، ويعرف أقسامها، ويعمل وفق قواعدها الداخلية وهذه قد تكون القيمة الحقيقية للنماذج مفتوحة الأوزان.

ليس المطلوب أن تمتلك الصحيفة «أفضل نموذج في العالم» المطلوب أن تمتلك أفضل نموذج بالنسبة إلى احتياجاتها.

التحدي الأخلاقي سيبقى حاضرًا

كلما زاد اعتماد غرف الأخبار على الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى قواعد واضحة لاستخدامه.

  • هل يجوز استخدام النموذج في التعامل مع معلومات المصادر السرية؟
  • من المسؤول عن خطأ في تحليل البيانات؟
  • هل يجب الإعلان عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج مادة صحفية؟
  • هل يسمح النظام بإنشاء صورة أو فيديو توضيحي يمكن أن يعتقد الجمهور أنه حقيقي؟
  • كيف تمنع المؤسسة النموذج من اختلاق مصادر أو معلومات؟

هذه ليست أسئلة تقنية فقط إنها أسئلة تتعلق بالثقة الصحفية.

وفي النهاية، فإن قيمة المؤسسة الإعلامية لا تعتمد على سرعة نشرها وحدها، بل على مدى ثقة الجمهور فيما تنشره.

المستقبل ليس «صحفيًا آليًا» قد يكون من الخطأ اختزال التطور الحالي في عبارة «الذكاء الاصطناعي سيحل محل الصحفيين» الصورة الأكثر واقعية ربما تكون مختلفة الصحفي سيظل مسؤولًا عن القصة أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يساعده في العثور عليها.

الصحفي يتحقق من المصدر والآلة تساعده في الوصول إلى المعلومات ذات الصلة الصحفي يقرر ما الذي يستحق النشر والنظام يساعده في معالجة آلاف البيانات التي يستحيل على شخص واحد قراءتها خلال وقت قصير بهذا المعنى، فإن مستقبل الصحافة قد لا يكون في استبدال الصحفي، وإنما في رفع قدرته إلى مستوى لم يكن ممكنًا من قبل.

ميتا والرسالة الأوسع

لذلك فإن إطلاق «ميوز جليمر» وموقف مارك زوكربيرج من النماذج مفتوحة الأوزان لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما خبرًا تقنيًا منفصلًا عن صناعة الإعلام إنهما جزء من اتجاه أوسع نحو جعل الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتشغيل خارج مراكز البيانات العملاقة، وأكثر قابلية للتخصيص، وأقل ارتباطًا بالضرورة بخدمة واحدة أو شركة واحدة.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تدخل الصحافة مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية اليومية لغرفة الأخبار، مثلما أصبح نظام إدارة المحتوى ومحرك البحث وقاعدة البيانات أدوات أساسية للعمل الصحفي.

لكن الفارق الجوهري سيظل قائمًا:

  • الآلة تستطيع أن تعثر على النمط، لكنها لا تعرف دائمًا لماذا يهم.
  • تستطيع أن تقارن التصريحات، لكنها لا تتحمل مسؤولية السؤال.
  • تستطيع أن تلخص آلاف الصفحات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني للصحفي.

ولهذا قد تكون المعركة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي ليست بين «الصحفي والآلة»، وإنما بين مؤسسات إعلامية تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا لتعزيز الصحافة، وأخرى تكتفي بمشاهدة التحول من الخارج.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل سيستخدم الصحفي الذكاء الاصطناعي؟ بل هل ستستخدم غرفة الأخبار الذكاء الاصطناعي لصناعة صحافة أفضل؟


محمد الضبعان